قاهرو الفساد في مدينة السلام| بقلم د. نجلاء حرب

بروباجنداآخر تحديث : الإثنين 17 يونيو 2019 - 4:00 صباحًا
قاهرو الفساد في مدينة السلام| بقلم د. نجلاء حرب

تلقيت دعوة لحضور فاعليات المنتدى الأفريقي لمكافحة الفساد الذي تنظمه هيئة الرقابة الإدارية والمنعقد في مدينة شرم الشيخ خلال الفترة من 12- 13 يونيه 2019، والواقع أن قناعتي الراسخة تكمن في أن الفساد، وهو سرطان التنمية الذي يفتك بالأمم ومقدراتها، يتطلب بادئ ذي بدء توافر الإرادة القيادية الحاسمة التي تشرع في بناء الدولة القوية الحازمة وتهدم كيانات ” الدولة الرخوة” ذلك المصطلح الذي طرحه عالم الاقتصاد والاجتماع السويدي ” جونار ميردال” الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974 في كتابه ” الدراما الأسيوية .. بحث في فقر الأمم”، حيث وصف الدول الرخوة التي تمثل أشباها للدول وتوفر التربة الخصبة للفساد وتشرع له.

فالدولة الرخوة كما وصفها ” جونار” تمتلك ترسانة قانونية متقدمة دون تطبيق، ومؤسسات دستورية دون دور واضح، ووجود نخبة فاسدة تشكل السياسات العامة وفقا لمصالحها، وانقسام طبقي وفقر وجهل في المجتمع، ونقص للكفاءات والقدرات في مؤسسات الدولة والمجتمع، ومواطنون لا يدينون بالولاء للوطن بل يدينون بالولاء لمطامعهم وعائلاتهم ومحاسيبهم.

تلك الكيانات التي سادت بوضوح في دول العالم الأكثر فسادا ومنها دول إفريقيا حيث تجذر الفساد بأشكاله في العديد من المجتمعات الأفريقية وشكل ممارسات عامة في بعض الدول، ووجد تربته الخصبة في سيادة الدول الرخوة والحروب الداخلية، ووفقا لمؤشر النزاهة ومدركات الفساد لعام 2018 تتصدر منطقة إفريقيا أعلى مستويات الفساد في العالم، وتأتى الصومال وجنوب السودان في مؤخرة قائمة النزاهة في العالم.

مشكلة لخصها ” سلافوى جيجك” بقوله: تذكروا ليست المشكلة الفساد أو الطمع، المشكلة في النظام الذي يدفعك دفعا لتكون فاسدا. وأوجزها ” كونفشيوس” في تساؤله الاستنكاري: إذا صلح القائد فمن يجرؤ على الفساد؟.

وقد عكست جلسات المؤتمر حالة من المصارحة الذاتية للأزمة الحقيقية التي تواجهها قارتنا الثرية، تساؤلا طرحه السيد ” ريموند مابولو” وزير الداخلية واللامركزية بدولة الكونجو برازفيل كيف يمكن أن تظل إفريقيا في هذه المستويات المتدنية من النمو في ظل ما تمتلكه من موارد وثروات متنوعة وفي ظل ما تتلقاه من دعم من المؤسسات الدولية مثل البنك الدولى وصندوق النقد؟ وهو تساؤل ليس بجديد ولكن طرحه في محفل دولى أفريقي يعنى بداية عهد المكاشفة والمصارحة الذاتية في القارة الأفريقية.

وهو ما أكده السيد ” فرانسيزكايفالا” رئيس مكافحة الفساد في دولة سيراليون من خلال تصريحه بوجود العديد من التقارير التي تشير إلى إهدار مليارات الدولارات في جرائم الكسب غير المشروع في القارة الأفريقية ووجود علاقة عكسية بين نسبة الفساد ومعدلات التنمية، ودعمه ” أنتونى مكابي” المراقب العام لدولة نيجيريا بالأرقام حيث ذكر أن إفريقيا تفقد ما يتراوح ما بين 20 لـ 40 مليار دولار سنويا بسبب الفساد.

وحملت كلمة السيد ” وياو ايسوهانا” رئيس الهيئة العليا لمكافحة الفساد في توجو تركيزا قويا على دور الإرادة السياسية الحقيقية والالتزام السياسي من خلال دعم أجهزة مكافحة الفساد واستقلاليتها .. فهل تمثل هذه الموجة من المصارحة الذاتية عزما حقيقيا لقهر الفساد في إفريقيا.

استوقفتني أيضا الرسالة الضمنية لكلمة السيدة ” ديبورا وتزل” مسئولة الممارسات العالمية بالحوكمة بالبنك الدولي والتعويل على تطبيق التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعى في جهود المراقبة ومكافحة الفساد في نجاح الجهود الدولية، واستعرضت ” ديبورا” مؤكدة على رؤيتها تجارب دول بتسوانا وسيراليون وليبريا، ولعلني هنا لا أنكر دور التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعى للمراقبة بيد أنني أرى أن التركيز الأهم هو بناء الإنسان، بناء الانتماء الوطني فكما يقال الفساد يهبط من أعلى إلى أدنى والإصلاح يصعد من أدنى إلى أعلى، ولم تستعص أعتى الأنظمة الإلكترونية الدولية على الإنسان وتم اختراقها.

وكنت أتمنى في هذا السياق الإشارة إلى تجربة ” ماجوفولى” في تنزانيا والتي تؤكد أهمية ترسيخ مفهوم الدولة والقيادة الوطنية القوية وإستراتيجية إدارة السلوك الإنساني وتقويمه.

ومصر التي تقود بكل قوة وإصرار حربها على الإرهاب، فإنها قد أعلنت منذ سنوات حربها لقهر الفساد. وكانت البداية من المصارحة مع الذات ووجود القناعة والانتماء الوطني الأصيل، حيث صرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مايو عام 2016، بكل الجرأة في حديثه بمناسبة بدء حصاد القمح في مشروع الفرافرة القومي، بأننا لا نعيش في دولة حقيقية ولكن في شبه دولة لابد من تحويلها لدولة حقيقية، وأقر بكل إصرار وحزم بان هذا التحويل سيواجه بمقاومة قوية وأعلن استعداده التام لتحمل تبعاتها، وعقب تلك المصارحة تم اتخاذ إجراءات تفعيليه من خلال تعديل اختصاصات هيئة الرقابة الإدارية بمقتضي القانون رقم 2007 لسنة 2017 وضمان استقلاليتها وتبعيتها لرئاسة الجمهورية بما يمثل دعما سياسيا قويا لجهود مكافحة الفساد في مصر، وإنشاء الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد، ثم انطلقت مصر لتقود القارة في حرب لقهر الفساد بدولها من أجل التنمية.

وإجمالا، أود أن أشيد بجودة تنظيم المنتدى وحسن اختيار الجهات المشاركة بالتعاون مع وزارة الداخلية والعدل وبحضور مسئولي إتحاد مكافحة الفساد الأفريقي ورؤساء أجهزة الرقابة، ومسئولي أجهزة المحاسبات والكسب غير المشروع، الأمر الذي عكس فهما واضحا لأهداف المنتدى وتركيزا على النخبة المستهدفة بما يسر فرص الالتقاء والتفاعل الإيجابي وهو ما لمسته بوضوح في جلسات المنتدى وفي أروقة قاعة المؤتمرات، كما أود أن أشيد بحسن اختيار عنوان المنتدى وتوجيهه نحو قيادة محاربة الفساد في إفريقيا قارتنا السمراء التى ننتمي إليها موقعا وتاريخا بما يمثل تكاملا مع جهود دعم التنمية والتعاون المصري الأفريقي لتحقيق التنمية المستدامة وقيادة مصر للاتحاد الإفريقي، وكذلك حسن اختيار عناوين الجلسات والمتحدثين والرسائل التي نقلتها الجلسات ومن بينها أن محاربة الفساد مهمة تشاركية ودور المرأة في مكافحة الفساد، فضلا عن عبقرية اختيار مكان انعقاد المنتدى شرم الشيخ مدينة السلام والمصارحة مع الذات.

كما أود أن أشكر هيئة الرقابة الإدارية قيادة وفريقا للعمل الذي أشرف على إدارة وتنظيم فاعليات المنتدى بكفاءة وتميز واضح وبجدية ومهنية منقطعة النظير، وعكس أمام الحضور مظهرا مشرفا لمصر ونموذجا يحتذي به في تخطيط وإدارة الندوات والمؤتمرات، وهو ليس بجديد على هيئة الرقابة الإدارية في ظل ما تقوم به من جهود متميزة لقهر الفساد في مصر رافعة لشعار ” لا أحد فوق القانون”، وضبط العديد من القضايا التي ضمت وزراء ومسئولين كبار في الدولة، فضلا عن جهودها في مجالات متعددة لإعادة هندسة الدولة أخرها إنشاء Science- hub الذي تم عرضه ضمن جلسات المنتدى، بما يمكننا من أن نطلق عليها هيئة الدولة.

وختاما، لقد حملت توصيات المنتدى مصر بوجه عام كقائدة للإتحاد الأفريقي، وهيئة الرقابة الإدارية على وجه التحديد مسئوليات جسام في المرحلة القادمة لقيادة قهر الفساد في أفريقيا، قارتنا الجميلة التي أمتلك رؤية شديدة التفاؤل تجاه مستقبلها فهى تمتلك كفاءات عالية وموارد ثرية إذا ما أحسن استغلالها يمكن أن تحقق معدلات نمو عالية، ولابد أن يرتكز بناء إستراتيجية مكافحة الفساد على انعقاد الإرادة السياسية على هدم كيانات الدولة الرخوة وإحلالها بكيانات قوية راسخة، كما يجب أن تتضمن هدفا محوريا هو بناء الإنسان ودعم روح الانتماء وحيث أن فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بدأ بالمصارحة وعقد العزم على مكافحة الفساد فأنني أدعو الهيئة لتبنى مبادرة ” تعميق الانتماء الوطني” لدى المصريين.

فترعرع الفساد في مجتمعاتنا يرتبط بغياب الانتماء والضمير وتخاذل وانسحاب الشرفاء من الميادين حتى أصبحنا نستنشق الفساد مع الهواء.

حفظ الله مصر وأبقاها دائما قائدا ومصباحا منيرا للعالم في غياهب الظلمات.

رابط مختصر
2019-06-17
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بروباجندا الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

بروباجندا